خضعت الكثير من الأنظمة القانونية في نظرية الالتزام لتطور مهم، وذلك لتستجيب لمتطلبات الحياة العملية المتجددة، فهناك أنظمة قانونية قد اختفت أو قلت أهميتها، بينما هناك أنظمة، لم يواجهها المشرع صراحة، قد ظهرت وذلك لأهميتها كالتضامم مثلا. وغالبا ما يحاول الفقه –جاهدا- إدخال هذه الأنظمة المستحدثة ضمن الأنظمة القانونية الموجودة من قبل أو تطبيق القواعد العامة عليها. وعلى الرغم من التطور الذي لحق نظرية الالتزام، إلا أنها ما زالت تعتبر من أهم وأكثر أجزاء القانون الخاص التي تتمتع بالثبات والاستقرار، وذلك راجع للتجريد الذي تتمتع به هذه النظرية.
إن استقراء فصول قانون الالتزامات والعقود المغربي، يؤدي إلى القول أن هذا الأخير لا ينص بشكل صريح على فكرة التضامم، كما أنه لا يمنع من إعمال هذه الفكرة التي يرجع فضل تقريرها إلى القضاء الفرنسي. وبالتمعن الدقيق في البعض منها يمكن التأكيد على أن هذه الفكرة ليست بالغريبة أو الدخيلة على نظامنا القانوني، فقد سمح المشرع للمكري -مثلا- بمطالبة كل من المكتري من الباطن والمكتري الأصلي بواسطة دعوى مباشرة. فكل من هذين المتعاقدين مدين للمكري، ومصدر دينه مختلف تماما، فالمكتري الأصلي مصدر التزامه هو عقد الكراء الأصلي، ومصدر التزام المكتري من الباطن هو القانون، ومحل الالتزام واحد هو الوفاء بالالتزامات التأجيرية الملقاة على عاتق المكتري الأصلي. وكما يتضح من المثال السابق، فالالتزام التضاممي يقوم على تعدد الروابط وتعدد المحل، فهناك ديون متميزة بقدر ما هناك من مدينين. فكل دين له محله الخاص به، ولكن هذه الديون متماثلة أو متشابهة. ووحدة المحل لا تستبعد فكرة الالتزام التضاممي، فالمدينون بالدين نفسه يكونون ملتزمين بالتضامم متى كان هناك تعدد في المصدر.
ولذلك سنتساءل في معرض محاولتنا فهم نطاق تطبيق الفصل 164 من قانون الالتزامات والعقود عن جدوى الأخذ بنظام التضامم في القانون المغربي، أو بعبارة أخرى هل هناك حاجة في القانون المغربي تدعو إلى الأخذ بفكرة الالتزام التضاممي؟-المبحث الأول-، على أن نخلص من خلال دراستنا للأساس القانوني الذي يقوم عليه كل من التضامن والتضامم، ومن خلال استعراضنا لمواقف القضاء من هذين النظامين، إلى التسليم بأن التفرقة بين الالتزام التضامني والالتزام التضاممي قد فقدت الكثير من أهميتها في المجال القانوني-المبحث الثاني-.
المبحث الأول: جدوى الأخذ بفكرة التضامم في القانون المغربي
لم ينص قانون الالتزامات والعقود المغربي على التضامم صراحة في أي نص من نصوصه، وقد عالج التضامن في نظام قانوني واحد. ولذلك يكون من غير المجدي البحث في هذا القانون عن أي أساس للتضامم. غير أنه عند تفحص القانون الوضعي، وبصفة خاصة أحكام وقرارات القضاء، نجد أن هناك علامات مشجعة في صالح الاحتفاظ بالتفرقة التقليدية بين التضامن والتضامم. فالتطور الذي عرفته نظرية الالتزام أدى إلى إفراز نظام جديد لا يقابل تماما التضامن، وإن كان يتشابه معه، إلا أنه ليس بهو. ويسمى هذا النظام بالالتزام التضاممي، وهو يوجد عندما يكون هناك شخصان أو أكثر ملتزمان بكل الدين في مواجهة الدائن، ويستطيع هذا الأخير أن يطالب أيا منهم بالدين كله بالرغم من عدم وجود تضامن فيما بينهم. وفي المقابل، ورد في الفصل 164 ق.ل.ع أن «التضامن بين المدينين لا يفترض. ويلزم أن ينتج صراحة عن السند المنشئ للالتزام أو القانون، أو يكون النتيجة الحتمية لطبيعة المعاملة ». فالمشرع المغربي-على خلاف بعض التشريعات المدنية- نظم مجموعة من حالات التضامن والتي تعتبر-وبحق- في هذه التشريعات منحالات التضامم. من هنا يحق التساؤل عن أهمية الأخذ بنظام التضامم في القانون المغربي؟، وإذا كانت الدعوى المباشرة تحوي في العمق التزاما تضامميا، فهل يمكن لأطراف المجموعة العقدية المتضمنة عقدا من الباطن الاستناد إلى هذه الفكرة من أجل الرجوع؟ وبعبارة أخرى هل يمكن للمتعاقد الأصلي في حالة وقوع ضرر له أن يستند في دعواه إلى الالتزام التضاممي من أجل مطالبة المتعاقد من الباطن بالتعويض)المطلب الأول(؟.
وفي المقابل ألا يؤدي ذلك إلى الاصطدام بمبدإ عدم افتراض التضامن الذي يكرسه الفصل 164 من ق.ل.ع؟. وبالنتيجة لذلك هل لا تزال التفرقة بين الالتزام التضامني والالتزام التضاممي قائمة، وهل من حلول لإزالة هذا التعارض القائم بين الالتزامين؟)المطلب الثاني(.
المطلب الأول: استيعاب نظام التضامن لفكرة التضامم
يتسع نطاق التضامن في القانون المغربي ليشمل حالات التضامم، والملاحظ أن التضامن الاتفاقي يكون دائما تضامنا تاما، بينما في التضامن القانوني فإنه في بعض الأحوال يكون تضامنا تاما، وفي أحوال أخرى يكون تضامنا ناقصا، وذلك بحسب ما إذا كان النص الذي قرره يقيم التضامن على فكرة النيابة التبادلية المفترضة بين المدينين من عدمه. فالتضامن الناقص يحيل إلى حالات التضامم التي تم إخضاعها للنظام القانوني للتضامن )الفقرة الأولى(. وعلى الرغم من اتساع نطاق التضامن في القانون المدني المغربي إلا أنه إذا وجدت حالات يتعدد فيها المدينون، لأي سبب كان، ويكون كل واحد منهم مسؤولا عن الدين كله قبل الدائن، ودون أن يكون هناك اتفاق أو نص على التضامن، فإنه ينبغي تكييفها على أنها من قبيل التضامن، فهذه الحالات إن كانت تقابل بطبيعة الحال فكرة الالتزام التضاممي إلا أنه ينبغي اعتبارها تشكل تضامنا استنادا إلى النتيجة الحتمية لطبيعة المعاملة الواردة بالفصل 164 ق.ل.ع )الفقرة الثانية(.
الفقرة الأولى: إخضاع القانون المغربي حالات التضامم للنظام القانوني للتضامن
اهتم قانون الالتزامات والعقود المغربي بتنظيم أحكام التضامن فيما بين المدينين))) بالتفصيل وذلك لأهميته في الحياة العملية، كما أنه قد وسع من نطاقه ليشمل العديد من الحالات التي يتعدد فيها المدينون قبل الدائن، وذلك على خلاف القانون الفرنسي. ومن أهم حالات الالتزام التضاممي التي اعتبرها المشرع المغربي من قبيل التضامن وكرسها القضاء؛ تعدد المسؤولين عن عمل ضار)))، حيث أكد في الفصل 99 من ق.ل.ع على أنه: «إذا وقع الضرر من أشخاص متعددين عملوا متواطئين، كان كل منهم مسؤولا بالتضامن عن النتائج، دون تمييز بين من كان منهم محرضا أو شريكا أو فاعلا أصليا »))). وفي الفصل 100 منه وهي حالة ما: «إذا تعدد المسؤولون عن الضرر وتعذر تحديد فاعله الأصلي من بينهم، أو تعذر تحديد النسبة التي ساهموا بها في الضرر ،» حيث يعتبرون جميعا مسؤولين عن الضرر على وجه التضامن فيما بينهم) 1)). كما أنه عالج حالات أخرى مثل مسؤولية المهندس والمقاول قبل رب العمل عن تهدم البناء) 1))، وحالة تعدد الوكلاء ومسؤوليتهم قبل الموكل، وغير ذلك من حالات التضامم، حيث فرض القانون في جميع تلك الحالات التضامن بين المدينين، وبذلك يضيق نطاق الالتزام التضاممي في القانون المغربي إلى حد كبير على الأقل بالنسبة للحالات التي ورد النص فيها صراحة بالتضامن) 1)).
وعليه، فكثيرا ما يقوم التضامن بين المدينين بمقتضى نص في القانون) 1))، وفي هذه الحالة يجب التقيد بالنص وعدم القياس عليه لأن حالات التضامن القانوني تعتبر واردة على سبيل الحصر) 1)). وعلى الرغم من وجود تطبيقات لفكرة التضامم في القانون المغربي) 1))، إلا أن المشرع أراد أن يقطع الشك باليقين حين نص في الفصل 1145 ق.ل.ع على التضامن في هذه الحالة مع أن الأمر يتعلق بحالة من حالات التضامم، فقد ورد في هذا الفصل أنه: «إذا تعدد الكفلاء المتضامنون ودفع أحدهم الدين كله عند حلول الأجل، كان له أن يرجع أيضا على الكفلاء الآخرين، كل بقدر حصته، وبقدر نصيبه في حصة المعسر منهم ». ففي هذا الفرض نجد أن للدائن أكثر من مسؤول عن الوفاء بالدين، ويستطيع أن يرجع على من يشاء منهم ليطالبه بكل الدين بالرغم من عدم تضامنهم في الواقع) 1)). ففي هذه الحالة نجد أن هؤلاء الكفلاء ملتزمون حقيقة بالدين بالتضامم وليس بالتضامن.
وهكذا، إذا كان الكفلاء قد التزموا بعقود متوالية، فإن كل واحد منهم يكون مسؤلا عن الدين كله، إلا إذا كان قد احتفظ لنفسه بحق التقسيم، وفي هذه الحالة نجد أن هناك كفلاء متعددين، وكل منهم قد التزم في عقد مستقل بكفالة دين المدين، فالروابط التي تربط الكفلاء المتعددين بالدائن روابط متعددة، إذ كل كفيل منهم تربطه بالدائن رابطة مستقلة، ومصدر التزام كل كفيل هو أيضا متعدد إذا التزم الكفلاء بعقود متوالية، وكل من الكفلاء ملتزم بآداء مماثل للآخرين. ففي هذه الحالة لا يمكن أن يوجد تضامن بين هؤلاء الكفلاء، ولكن هؤلاء الكفلاء ملتزمون بطريق التضامم. وفي هذه الحالة لا توجد مصلحة مشتركة بين هؤلاء الكفلاء وذلك لاستقلال مصادر التزامهم، وبالتالي لا يمكن أن تطبق عليهم الآثار الثانوية للتضامن) 1)). وفي ذلك، يذهب بعضهم) 1)) إلى أن التضامن الاتفاقي يكون دائما تضامنا تاما، بينما في التضامن القانوني فإنه في بعض الأحوال يكون تضامنا تاما، وفي أحوال أخرى يكون تضامنا ناقصا، وذلك بحسب ما إذا كان النص الذي قرره يقيم التضامن على فكرة النيابة التبادلية المفترضة بين المدينين من عدمه.
وبناء عليه، ففي الالتزام التضاممي يكون هناك تعددا في الروابط، ووحدة في المحل، فكل واحد من هؤلاء الكفلاء المتعددين قد التزم في عقد مستقل بكفالة دين واحد، فالروابط التي تربط الكفلاء المتعددين بالدائن متعددة، ولكن الدين الذي التزم كل واحد منهم بآدائه هو دين واحد: الروابط إذن متعددة، والمصدر متعدد، والمحل واحد. فلا يكون هؤلاء الكفلاء ملتزمين بطريق التضامن، لأن التضامن يقتضي أن يكون المصدر واحدا لا متعددا، ولكن لما كان كل منهم ملتزما بالدين ذاته، فقد تضامت ذممهم جميعا في هذا الدين الواحد، دون أن تتضامن، فالالتزام يكون التزاما تضامميا لا التزاما تضامنيا.
وفي هذا الصدد يذهب بعضهم) 1)) إلى أنه يوجد التزام تضاممي بين المقاول الأصلي والمقاول من الباطن أمام رب العمل عن الضرر الذي يصيبه من جراء عدم التنفيذ. ففي هذه الحالة يمكن لرب العمل الرجوع على المقاول الأصلي بدعوى المسؤولية العقدية. ولكن قد يفضل رب العمل الرجوع مباشرة على المقاول من الباطن، بناء على قواعد المسؤولية التقصيرية. ولا شك أنه في هذه الحالة يوجد مدينان لرب العمل ومصدر التزامهما يختلف عن الآخر، ولا شك في أن عدم اعتبار المقاول من الباطن غيرا بالنسبة للعقد الأصلي، والرغبة في تشبيهه بالمقاول الأصلي بالنسبة لبعض الالتزامات، هو الذي أدى إلى صدور بعض القرارات التي قررت مسؤوليته التعاقدية، أو التقصيرية بناء على خطإ تقصيري. وقد أخذت محكمة الاستئناف بلياج في قرارها الصادر بتاريخ 9 يونيو 1976 ) « ((2 بالمسؤولية التعاقدية للمقاول من الباطن، حيث تم تقرير مسؤوليته تضامنيا مع المقاول الأصلي بناء على خطإ عقدي في جانب هذا الأخير ». ونعتقد أن تقرير المسؤولية التضامنية بين المقاول من الباطن والمقاول الأصلي بالرغم من عدم التضامن بينهم، يبقى محل نظر على اعتبار أن التضامن لا يفترض، بل لابد من أن يرد بشأنه شرط صريح بالتضامن أو ينص عليه القانون، وهو الأمر الذي سلكه
القضاء) 2)). وفي القانون المغربي يمكن القبول بمثل هذه الأحكام بشرط أن تستند في استنتاج التضامن إلى النتيجة الحتمية لطبيعة المعاملة.
وفي نطاق الوكالة من الباطن مثلا، وبصفة خاصة عندما يتعلق الأمر بمسؤولية الوكيل عن نائبه، يذهب بعضهم) 2)) إلى أن الأصل هو أن الوكيل مسؤول عن نائبه تجاه الموكل. ومسؤوليته في ذلك هي مسؤولية عقدية عن الغير، وقد توافرت شروطها. فالمسؤول هو الوكيل، والمضرور هو الموكل، وقد قام بينهما عقد صحيح هو عقد الوكالة الأصلي. والغير هنا هو نائب الوكيل، وقد كلف اتفاقا بتنفيذ التزام الوكيل العقدي. فإذا ارتكب نائب الوكيل خطأ في تنفيذ الوكالة من الباطن تحققت مسؤوليته العقدية تجاه الوكيل، وتحققت مسؤولية الوكيل العقدية تجاه الموكل، وأمكن أيضا للموكل أن يرجع مباشرة على نائب الوكيل) 2)). فيكون للموكل، إذا ارتكب نائب الوكيل خطأ، مدينان: الوكيل بموجب المسؤولية العقدية عن فعل الغير، ونائب الوكيل بموجب الدعوى المباشرة. والأصل أن الوكيل ونائبه لا يكونان مسؤولين تجاه الموكل بالتضامن لتعدد المصدر بالرغم من وحدة المحل، وإنما يكونان مسؤولين بالتضامم. فعلى خلاف المشرع المصري الذي نص على التضامن في هذه الحالة) 2)) وأكدها القضاء) 2)) سكت المشرع المغربي عن ذلك مكتفيا بمنح كل من الموكل ونائب الوكيل دعوى مباشرة) 2)).
وعموما، ففي الالتزام التضاممي يكون كل مدين مستقلا تماما عن المدينين الآخرين، وذلك لأنه غالبا ما تنشأ التزاماتهم نتيجة ظروف معينة، أو بمجرد الصدفة المحضة وبدون علم مسبق من جانبهم) 2))، وبناء عليه، فإنه لا يمكن أن توجد بين هؤلاء المدينين مصلحة مشتركة، كما هو الحال في الالتزام التضامني، ومن ثم لا يمكن أن تقوم بينهم فكرة النيابة التبادلية المعروفة في التضامن، ولذلك لا ينشأ عن التضامم أي من الآثار الثانوية المترتبة على التضامن.
مما سبق يمكن القول إن قانون الالتزامات والعقود المغربي - وعلى خلاف القانون المدني الفرنسي - نص على التضامن بين المدينين في حالات كثيرة، ومعظم هذه الحالات تدخل في القانون الفرنسي في نطاق الالتزام التضاممي. ولذلك نجد أن نطاق هذا الأخير في القانون الفرنسي أوسع بكثير منه في قانون الالتزامات والعقود المغربي، وفي المقابل نجد أن نطاق التضامن في قانون الالتزامات والعقود المغربي أوسع بكثير من نظيره في القانون الفرنسي. وهذا الاختلاف في نطاق كل من التضامن والتضامم في كل من القانونين يرجع إلى اختلاف طبيعة الأحكام المنظمة للتضامن والفلسفة التي يقوم عليها هذا التنظيم في هذين البلدين.
الفقرة الثانية: النتيجة الحتمية لطبيعة المعاملة كوسيلة لاستيعاب حالات التضامم
يستند الأصل في القانون الوضعي إلى أنه إذا تعدد المدينون ألا يكونوا متضامنين، أي أن الدين ينقسم فيما بينهم ولا يستطيع الدائن أن يطالب كل مدين إلا بقدر نصيبه. لكن استثناء يجوز أن يكون هؤلاء المدينون متضامنين وذلك إذا ما اتفق الدائن معهم على هذا التضامن صراحة، أو إذا فرضه عليهم نص في القانون، أو يكون النتيجة الحتمية لطبيعة المعاملة) 2)).
وفي الحياة العملية قد طغى هذا الاستثناء على الأصل، وقل أن نجد دائنا له مدينون متعددون في التزام واحد ولا يشترط تضامنهم، بل إن كثيرا ما يتولى القانون نفسه مهمة إنشاء هذا التضامن الذي يرجع انتشاره - في الواقع - إلى أن هذا الأخير يعتبر أقوى ضرب من ضروب التأمينات الشخصية، إذ يكون للدائن أن يرجع على أي من المدينين ليطالبه بالدين كله دون أن يدفع هذا المدين في مواجهته لا بالتقسيم ولا بالتجريد) 2))، ومن ثم يتجنب الدائن مخاطر إعسار المدين ويعطي له فرصة كبيرة لاستيفاء حقه من أي من المدينين. وفي المقابل ظهرت إلى جانب هذا التضامن المتفق عليه فيما بين الطرفين أو الذي فرضته النصوص القانونية، حالات يكون فيها أكثر من شخص ملتزما، لسبب أو لآخر، بأشياء مماثلة، ودون أن يكون الدين واحدا، ويجوز للدائن أن يطالب أيا منهم بالأداء الذي في ذمته، بحيث إذا ما وفاه برءت ذمم الآخرين. وهذا الوضع لا ينشأ لا من اتفاق ولا من نص في القانون وإنما ينشأ من طبيعة الأشياء، فتزامن هذه الالتزامات، وتعدد المدينين، كان نتيجة لمركز واقعي بحت) 3))، ولذلك يحق لنا التساؤل عن حقيقة النتيجة الحتمية لطبيعة المعاملة كمصدر آخر للتضامن الواردة في الفصل 164 من ق.ل.ع؟ هل لهذه العبارة مدلولا محددا للتضامن بحيث لا ينبغي تحميله ما لا يحتمل؟ وهل يمكن أن يستنتج منها التضامن الضمني أم أنه بإضافتها إلى المصادر الأخرى يكون المشرع قد سد الباب أمام كل محاولة تأسس لوجود التضامم في القانون المغربي؟، وبالتالي يكون القضاء قد منح سلطة تقديرية واسعة لإدخال حالات التضامم التي قد تقع في العمل ضمن النظام القانوني للتضامن؟.
للوقوف عند جدوى تقرير المشرع المغربي للنتيجة الحتمية لطبيعة المعاملة كمصدر ثالث للتضامن في إطار الفصل 164 ق.ل.ع، يمكن التأكيد أنه بالرجوع إلى التشريعات المدنية المقارنة في الموضوع، يمكن ملاحظة أن هاته الأخيرة تقصر مصادر التضامن في الاتفاق ونص القانون. فقد ورد في المادة 1202 مدني فرنسي، والمادة 279 من القانون المدني المصري على أن التضامن لا يفترض وإنما يكون بناء على اتفاق أو نص القانون) 3)). تجدر الإشارة في هذا الصدد أن فارقا هاما يوجد بين تضامن الدائنين وبين تضامن المدينين: فتضامن الدائنين يصح أن يقع ضمنيا، أما تضامن المدينين فقد اشترط الفصل 164 أعلاه كما هو الحال في التقنين المدني الفرنسي) 3)) والتقنين المدني اللبناني) 3)) أن يرد بشأنه شرط صريح، وهذا بخلاف ما هو عليه الوضع في بعض التقنينات كالقانون المدني المصري) 3)) والقانون المدني السوري) 3))، حيث التضامن يجوز اشتراطه صراحة كما يجوز وقوعه ضمنيا واستخلاصه من الظروف والملابسات. ومن تم لم يعد هناك مجال للحديث عن التضامن الضمني بين المدينين في إطار القانون المغربي، لكن هل يعني ذلك أن التضامن الضمني قد يقع في العمل إلا أنه يندرج ضمن ما قصده المشرع بالنتيجة الحتمية لطبيعة المعاملة؟. في اعتقادنا لا يمكن للقاضي أن يستنتج من الوقائع المعروضة عليه أن هناك تضامنا ضمنيا بين المدينين لكون المشرع لم يعتبر إلا التضامن الصريح بينهم، لكن إن هو استنتج أن هناك تضامنا - وإن كان ضمنيا - استنادا إلى النتيجة الحتمية لطبيعة المعاملة فإن قضاءه يكون في هذه الحالة مبررا.
وعلى الرغم من اتساع نطاق التضامن في قانون الالتزامات والعقود المغربي، إلا أنه إذا وجدت حالات يتعدد فيها المدينون، لأي سبب كان، ويكون كل واحد منهم مسؤولا عن الدين كله قبل الدائن، ودون أن يكون هناك اتفاق أو نص على التضامن، فإنه ينبغي تكييفها على أنها من قبيل التضامن، فهذه الحالات إن كانت تقابل بطبيعة الحال فكرة الالتزام التضاممي إلا أنه ينبغي اعتبارها تشكل تضامنا استنادا إلى النتيجة الحتمية لطبيعة المعاملة الواردة بالفصل 164 ق.ل.ع.
وعليه يكون المشرع المغربي –على خلاف نظيره الفرنسي- قد توسع في ذكره لمصادر التضامن؛ فإضافة إلى الاتفاق الصريح ونص القانون، هناك النتيجة الحتمية لطبيعة المعاملة. هذه العبارة التي يكتنفها بعض الغموض، بشكل قد يحمل على الاعتقاد بأن المشرع قد أخذ بالتفسير الواسع للعبارة؟ في هذا الصدد، يذهب بعض الفقه) 3)) إلى القول بأن قانون الالتزامات والعقود انفرد عن جل التشريعات المقارنة الأخرى بكونه أضاف مصدرا آخر، هو أن التضامن بين المدينين قد يكون نتيجة حتمية لطبيعة المعاملة. وفي السياق نفسه يذهب البعض الآخر) 3)) أنه من المتصور أن يكون التضامن بين المدينين كنتيجة حتمية لطبيعة المعاملة، كأن يلتزم مثلا مهندسان يعملان في مكتب واحد بتنظيم مخطط بناء وتقديمه لمالك أرض، أو كأن يلتزم عدة أشخاص بتسليم شيء معين بذاته لشخص آخر. ففي هذين المثالين يترتب على كل من المهندسين تنظيم المخطط وتقديمه لمالك الأرض، كما يترتب على كل من الأشخاص الذين تعهدوا بتسليم الشيء أن ينفذ هذا التعهد، وكل ذلك حتى لو لم يشترط أي تضامن في السند المنشئ للالتزام، لأن طبيعة العمل هنا تحتم قيام التضامن بين المدينين.
وعلى الرغم مما قد يعترض الرأي السابق من انتقاد مؤسس على كون ما ذهب إليه يتعارض مع مبدإ براءة الذمة) 3))ووجوب ورود شرط صريح يقضي بالتضامن؛ لأن المبدأ فيه هو عدم افتراض التضامن، فإن الأمر الذي لا خلاف بشأنه هو أن المعاملة تبقى قاصرة على العقود المكتوبة والسندات التأسيسية التي يمكن أن ينتج عنها التضامن. فقد ورد في حكم) 3)) لابتدائية الدار البيضاء: «أن الفصل 164 من ق.ل.ع عندما نص على أن التضامن يمكن أن ينتج عن النتيجة الحتمية لطبيعة المعاملة يكون قد اقتبس من القانون الألماني الذي وسع من نطاق التضامن بين المدينين، وبالنتيجة فهذا المقتضى لا يمكن إعماله إلا بخصوص العقود المكتوبة والالتزامات الناشئة عن سندات تأسيسية ». بل إن بعض القضاء أعطى مدلولا آخر لعبارة النتيجة الحتمية لطبيعة المعاملة، فقد جاء في أحد القرارات) 4)) أن: «التضامن يكون ناتجا عن طبيعة المعاملة متى كان الدين محل العقد مخصص لشراء بدور الغرس وذلك للزيادة في قيمة الأرض التي يعتبر المطعون ضدهم شركاء فيها .»
مما سبق، يستفاد أن القضاء أخذ بالتفسير الضيق للعبارة، على اعتبار أن التفسير الواسع لها سيؤدي لا محالة إلى الاصطدام بضرورة ورود شرط صريح في المعاملة يقضي بالتضامن هذا من جهة، ومن جهة أخرى يتعارض أيضا مع المبدإ العام الذي هو براءة الذمة، إذ لا ينبغي افتراض التضامن ما دام لم يرد بشأنه ما يفيد التنصيص عليه. ونعتقد أن الأخذ بالتفسير الواسع للعبارة سيؤدي إلى استيعاب جميع الحالات التي تدخل في نطاق المصدرين الأولين والحالات التي تشكل تطبيقات لفكرة التضامم التي تقع والتي ستقع في العمل، على أن يتم استبدال عبارة معاملة بعبارة الظروف. ذلك أنه باستقراء القرارات المشار إليها أعلاه، فقد اتضح أن الأمر يتعلق بعقد أو بمعاملة، وأن التضامن بين المدينين يقوم على وجود اتفاق بين عدة مدينين ودائن)) 4))(، وأن يكون هؤلاء المدينين شركاء في عين معينة سواء كان هناك تضامن بينهم أم لم يكن، غير
أن قيامهم بأعمال اقتضتها طبيعة الشركة يفترض قيام التضامن بينهم في مواجهة الدائن باعتبار ذلك النتيجة الحتمية لطبيعة المعاملة.
وعموما، فطبيعة المعاملة الواردة في إطار الفصل 164 ق ل ع تختلف تمام الاختلاف عن طبيعة الأشياء أو طبيعة الأمور التي ينتج عنها التضامم، فهذه الأخيرة حالة واقعية تجعل كل شخص ملتزم في نطاق معين؛ فقد يكون مصدر التزامه العقد أو القانون )العمل الضار(، خلافا لطبيعة المعاملة التي تنحصر –كما تقدم – في نطاق العقود والالتزامات) 4)). فعلى الرغم من أنه يوجد في كل من الالتزامين مدينين متعددين وأن كلا من هؤلاء المدينين مسؤول عن الدين كله في مواجهة الدائن، إلا أنهما يختلفان من حيث المصدر، فمصدر الالتزام التضامني هو الاتفاق الصريح أو نص القانون أو النتيجة الحتمية لطبيعة المعاملة، بينما يقوم نظام الالتزام التضاممي على طبيعة الاشياء ذاتها، حيث يوجد في التضامم مدينين ملتزمين في مواجهة الدائن بالتزامات متماثلة نتيجة الصدفة البحتة، أو نتيجة لظروف معينة لا دخل للدائن فيها) 4)).
وما دامت طبيعة المعاملة تقتصر -كما سبق القول- على مجال العقود والالتزامات، ألا تعبر – في الواقع- عن تلك الحالة من التضامن الضمني؟ معلوم أن تضامن المدينين قد ينشأ –خلافا لما نص عليه الفصل 164 أعلاه- من اتفاق صريح أو ضمني، بمعنى أن تضامن المدينين لا يستوجب وروده بشرط صريح، بل يصح أن يكون هذا الشرط ضمنيا، إلا أنه يجب أن تكون دلالة اقتضاء التضامن في هذه الحالة واضحة لا خفاء فيها.
والتضامن الضمني هو ما يستخلص من ظروف التعاقد بشرط أن تكون دلالة اقتضاء التضامن واضحة، إلا أنه يجب ألا يقوم على شرط مفترض ولكن يجب أن يقوم على شرط ضمني، فقد قضت محكمة النقض المصرية) 4)) بأنه: «إذا كان الثابت أن زيدا قد أدار الأطيان التي اشتراها بكر بإذن شفوي صدر منه في حضرة أحد ابنائه)عمرو( مقابل أجر معين، وأنه لما توفي بكر عند منتصف السنة الزراعية، استمر زيد بتكليف من عمرو وحده في إدارتها لنهاية السنة، ولم يقل عمرو أنه كان وكيلا عن أختيه الوارثتين الآخرين حين كلف زيدا بالاستمرار في إدارة الأطيان، ولم تدع هاتان الأختان أنهما وكلتا أخاهما عنهما، فلا يجوز اعتبار زيد وعمرو مسؤولين بالتضامن عن نتيجة حساب الأطيان، بل يسأل زيد وحده عن هذا الحساب قبل كل الورثة .»
وبالرجوع إلى الفصل 164 من ق.ل.ع الذي تطرق فيه المشرع المغربي للتضامن بين المدينين، يمكن القول إنه -على خلاف باقي التشريعات التي تطرقت للموضوع- ذكر ثلاث مصادر للتضامن، على أنه بالنسبة للتضامن الناشئ بناء على اتفاق، لم يتطرق إلى التضامن الضمني بل استلزم فيه -أي التضامن بين المدينين- أن ينتج صراحة عن السند المنشئ للالتزام، وبذلك فالتضامن الضمني ليس له محل إلى جانب التضامن الصريح الذي وحده يقوم مصدرا للتضامن في إطار الفصل 164 من ق.ل.ع، فهل يمكن استنتاجه من طبيعة المعاملة كمصدر آخر للتضامن؟.
لكي يقوم التضامن بين المدينين ينبغي أن ينشأ عن اتفاق، وهذا هو الغالب، ويكون صريحا لا غموض فيه. فقد جاء في قرار للمجلس الأعلى) « ((4 وحيث إن المحكمة حكمت بالتضامن مرتكزة على مجرد القول «أن القصد من التزام «المعطي » وهو تطمين الدائنين وضمان الوفاء لهما «في حين أن هذا الاستنتاج لا يمكن أن يبرر التضامن وأن التضامن يجب أن يكون ناتجا بصراحة من العقد أو يستند إلى نص قانوني ». ونظرا للطبيعة الاستثنائية للتضامن، فإنه في حالة ما إذا ثار الشك لمصلحتهم فإن الأصل أن الشك يفسر لمصلحة المدين) 4)). لكن إذا استنتج القاضي أن هناك تضامنا - وإن كان ضمنيا - استنادا إلى النتيجة الحتمية لطبيعة المعاملة، فإن قضاءه في هذه الحالة يكون مبررا وسائغا لكونه احترم النص القانوني ولم يعطه تفسيرا أو تأويلا لا يحتمله.
المطلب الثاني: كفاية نظام التضامن بين المدينين في القانون المغربي
لا شك أنه كان يستحيل على المضرور توقع حدوث ضرر له، ومن ثم يستحيل عليه أن يشترط سلفا التضامن بين المتسببين في حدوثه، كما أنه لا يوجد نص في القانون يقرر هذا التضامن في مثل هذه الحالات. فما كان على القضاء إلا أن يبحث عن وسيلة يكون من شأنها ضمان حقوق المضرور، فوجد ضالته المنشودة في الالتزام التضاممي الذي لا يحتاج إلى نص أو اتفاق، ومن ثم يتفادى الاصطدام مع الفصل 1202 من التقنين المدني الفرنسي. وسواء تعلق الأمر بالتضامن أو بالتضامم بين المدينين، فإن كلا منهما يزيد في ضمان الدائن من حيث إن ضمانه العام، بدل أن يكون قاصرا على أموال مدين واحد، يصبح شاملا أموال عدة مدينين، وإن كلا من هؤلاء المدينين مسؤول عن الدين كله في مواجهته)الفقرة الأولى(. على أن إقرار الالتزام التضاممي في القانون المغربي سيؤدي إلى إدخال نوع من الضمان الشخصي أقوى بكثير من التضامن، فتطور هذا الالتزام سيؤدي به إلى الاصطدام المباشر بمبدإ عدم افتراض التضامن. ولذلك حسنا فعل المشرع حين أضاف في الفصل 164 ق.ل.ع عبارة النتيجة الحتمية لطبيعة المعاملة، حتى يتسع الفصل المذكور ليشمل أيضا حالات التضامم، ومن ثم نزيل
التعارض الواقع بين التضامم والتضامن، ونتجنب الاصطدام بصريح النص)الفقرة الثانية(.
الفقرة الأولى: تحقيق التضامم والتضامن الضمان الأكيد للدائن
إن التضامن بين المدينين، خلافا للتضامن بين الدائنين، هو كثير الشيوع في الحياة العملية، وقل أن نجد دائنا لمدينين متعددين في التزام واحد دون أن يكون تضامنهم مشروطا في العقد أو أحيانا بمقتضى القانون نفسه. ذلك أن التضامن بين المدينين يزيد في ضمان الدائن من حيث إن ضمانه العام، بدل أن يكون قاصرا على أموال مدين واحد، يصبح شاملا أموال عدة مدينين. وفي هذا السياق، قد يقال بأن الكفالة تعطي أيضا الدائن الضمان نفسه، من حيث إنها تضم ذمة الكفيل إلى ذمة المدين الأصيل وتجعل أموال هذا وذاك مشمولة بالضمان العام المقرر للدائن. غير أن ثمة فارقا هاما يوجد بين الكفالة وبين تضامن المدينين: ففي الكفالة، لا يستطيع الدائن الرجوع على الكفيل، إذا طلب هذا الأخير التجريد، إلا بعد الرجوع على المدين الأصلي، بينما في التضامن بين المدينين يستطيع الدائن أن يرجع ابتداء على أي واحد يختاره من مدينيه المتضامنين. لذلك قلّ أن يطلب الدائن كفيلا أو يعرض عليه كفيل إلا ويشترط أن يلتزم هذا الكفيل بالتضامن مع المدين الأصلي.
وترجع العلة في عدم افتراض تضامن المدينين إلى أن هذا التضامن أمر جلل، حيث يخول الدائن ضمانا يجنبه مغبة إعسار أحد المدينين المتضامنين، وذلك حين يكون له حق مطالبة الموسر منهم، ويترتب على ذلك نتيجة هامة هي انتقال عبء إعسار أحدهم عن عاتق الدائن إلى عاتق الموسر منهم، مما حدا بالمشرع الوضعي إلى تقرير عدم افتراض التضامن ووجوب نشوئه بالاتفاق الصريح أو بنص القانون، إذ أن تحمل المدينين المتضامنين – والفرض يسارهم - عبء إعسار أحدهم هو أمر يقتضي إما موافقتهم عليه وإما إلزامهم به بنص قانوني) 4)). أما التضامم فهو يستند إلى طبيعة الأشياء التي تفرض أن يكون كل مدين، من المدينين المتعددين، ملتزما أمام الدائن بكل الدين، في الوقت الذي لا يكون من حق الدائن سوى تلقي الوفاء مرة واحدة. فتقرير الالتزام التضاممي لا يحتاج إلى نص أو اتفاق، كما أنه يكفل للدائن ضمانا أكيدا لحقوقه سيما وأنه لا يثقل كاهلالمدينين كما هو الحال في التضامن.
في الواقع، إذا اعتبرنا الحالة التي يتسبب فيها أشخاص متعددين في إحداث الضرر نفسه، نجد أن خطأ كل من هؤلاء الأشخاص قد تسبب في وقوع الضرر كله، فيجب أن يكون كل منهم مسؤولا قانونا عن التعويض الكامل عن هذا الضرر. فهذه العلاقة المباشرة والحتمية بين كل خطإ من أخطاء المتسببين والضرر الناشئ عنه لا تتضمن تضامنا بين المسؤولين وإنما تضامما فيما بينهم) 4))، أي مسؤولية تضاممية كل منهم مسؤول عن تعويض كامل الضرر الواقع، وفي ذلك تحقيق أكيد للضمان الواجب للدائن، وفي المقابل يمكن لكل مدين أدى كامل التعويض أن يرجع على المدين الآخر المشترك معه وفقا لنسبة مساهمة مل من المسؤولين المتعددين في إحداث الضرر.
الفقرة الثانية: إقرار التضامم فيه تناقض مع فلسفة الفصل 164 ق.ل.ع
وجدت فكرة الالتزام التضاممي، في فرنسا، في مجال المسؤولية المدنية أرضا خصبة خاصة وأنه لا يوجد نص يفرض التضامن عندما يتعدد المسؤولون عن عمل ضار. فنصوص القانون المدني الفرنسي المتعلقة بالتضامن قد وردت بصدد العقود والالتزامات الاتفاقية. كما أن المادة 1202 مدني فرنسي تنص على أن التضامن لا يفترض، وإنما ينبغي الاتفاق عليه صراحة. ولا يحد من تطبيق هذه القاعدة إلا الحالة التي يتم فيها التضامن بقوة القانون.
وإذا كان تطور التضامن لا غبار عليه، حيث إن مرجعه في نطاق العقود هو إرادة الأطراف، وأنه في حالات التضامن القانوني فإن المشرع وراء تقريره في هذه الحالة أو تلك، فإن تقرير القضاء لمبدإ التضامم في نطاق المسؤولية المدنية يجعلنا نتساءل عما إذا كان هذا الاتجاه لا يصطدم بالمبدإ العام الذي يحكم التضامن، وهو مبدأ عدم افتراض التضامن؟
فإذا نظرنا إلى الموقف الناشئ عن تسبب أشخاص متعددين في الضرر نفسه نجد أن خطأ كل من هؤلاء الأشخاص قد تسبب في وقوع الضرر كله، فيجب أن يكون كل منهم مسؤولا قانونا عن التعويض الكامل عن هذا الضرر. فهذه العلاقة المباشرة والحتمية بين كل خطإ من أخطاء المتسببين والضرر الناشئ عنه لا تتضمن تضامنا بين المسؤولين وإنما تضامما فيما بينهم، أي مسؤولية تضاممية كل منهم مسؤول عن تعويض كامل الضرر الواقع) 4)).
ولأنه كان يستحيل على المضرور توقع حدوث الضرر، ومن ثم يستحيل عليه أن يشترط سلفا التضامن بين المتسببين فيه، كما أنه لا يوجد نص في القانون يقرر هذا التضامن. فما كان على القضاء إلا أن يبحث عن وسيلة يكون من شأنها ضمان حقوق المضرور فوجد ضالته المنشودة في الالتزام التضاممي. ولذلك، فتقرير هذا الالتزام لا يحتاج إلى نص أو اتفاق، ومن ثم يتفادى الاصطدام مع المادة 1202 مدني فرنسي) 5)). كما أن الالتزام التضاممي يكفل للدائن ضمانا أكيدا لحقوقه في الوقت الذي لا يثقل فيه كاهل المدينين كما هو الحال في التضامن) 5)).
وترجع العلة الأساسية وراء تقرير القضاء الفرنسي للالتزام التضاممي إلى تفادي الآثار الثانوية الخطيرة التي تترتب على التضامن، والتي تثقل كاهل المدينين المتضامنين لصالح الدائن، على اعتبار أن التضامم ليس نوعا من التضامن، وإنما يمثل نظاما قانونيا مستقلا. وبذلك استطاع هذا القضاء أن يحقق للدائن ضمانا شخصيا لاستيفاء حقه من المدينين المتضامين حسب التقنين المدني الفرنسي –والفرض أنهم متضامنون في إطار القانون المغربي-، وفي الوقت ذاته لم يثقل كاهل هؤلاء المدينين المتضامين بأي من الآثار الثانوية الناشئة عن التضامن.
وبذلك تجنب القضاء الفرنسي الاصطدام بمبدإ عدم افتراض التضامن) 5)). وهكذا، فإذا كان تطور الالتزام التضاممي يسير بخطى ثابتة نحو الاصطدام بمبدإ عدم افتراض التضامن، إلا أن مرونة صياغة المادة 1202 مدني فرنسي والدور الإنشائي المعهود للقضاء الفرنسي يمكنهما التغلب على هذه العقبة) 5)).
وعليه، فإن إقرار الالتزام التضاممي في القانون المغربي سيؤدي إلى إدخال نوع من الضمان الشخصي أقوى بكثير من التضامن، فتطور هذا الالتزام سيؤدي به إلى الاصطدام المباشر بمبدإ عدم افتراض التضامن. ولذلك حسنا فعل المشرع حين أضاف في الفصل 164 ق.ل.ع عبارة «النتيجة الحتمية لطبيعة المعاملة »، وذلك ليتسع الفصل المذكور ليشمل أيضا حالات التضامم، وحتى لا يكون هناك تعارض بين التضامم والتضامن، ويتم تجنب الاصطدام بصريح النص.
غير أننا نعتقد أن المشرع لم يكن دقيقا في صياغته للعبارة أعلاه، ذلك أن المعاملة التي يمكن أن ينتج عنها التضامن لا تختزل أكثر من عقد، في حين أن التضامم يستند إلى طبيعة الأشياء التي تفرض أن يكون كل مدين، من المدينين المتعددين، ملتزما أمام الدائن بكل الدين، في الوقت الذي لا يكون من حق الدائن سوى تلقي الوفاء مرة واحدة) 5))، هذا من جهة ومن جهة أخرى، ففي الالتزام التضاممي قد يكون مصدر التزام المدينين المتضامين العقد أو القانون أو هما معا. ولذلك نقترح كصياغة جديدة للفصل 164 ق.ل.ع «التضامن لا يفترض، وإنما يكون بناء على اتفاق أو نص في القانون أو يستخلص من الظروف ». وبذلك يمكن لهذه العبارة أن تستوعب بالإضافة إلى حالات التضامن التي تكون كنتيجة حتمية لطبيعة المعاملة، تلك التي تستند إلى طبيعة الأشياء وفق التحديد السابق بيانه.
ومن تم فإن التنظيم القانوني التفصيلي للتضامن ببين المدينين في القانون المغربي، وتغطيته لمعظم وأهم حالات التضامم، التي تناولها القانون الفرنسي، لم يعد يجعل للتفرقة بين الالتزام التضاممي والالتزام التضامني أهمية تذكر. بل أكثر من ذلك نجد أنه في حالات التضامم أن مركز المدين المتضامم أسوأ من مركز المدين المتضامن) 5))، حيث أصبح الوضع مقلوبا. وفي المقابل، فإن ضمان الدائن في الالتزام التضاممي أقوى منه في الالتزام التضامني) 5)).
المبحث الثاني: انحسار أهمية التفرقة بين التضامن والتضامم في القانون المغربي
رغم ما قد يوجد من اختلافات بين كل من الالتزام التضامني والالتزام التضاممي سواء من حيث التعريف أو الخصائص أو الأسس أو الآثار، إلا أن التقريب بينهما ليس بالأمر الصعب سيما وأن كلا منهما يسعى إلى السماح للدائن بأن يرجع على أي من المدينين ليطالبه بكامل الدين. وسواء تعلق الأمر بالأساس القانوني أو بحق الرجوع)المطلب الأول(، فالفقه ومعه القضاء وقفا على أهمية المقابلة بين الالتزام التضاممي والالتزام التضامني، وذلك لبيان الحدود الفاصلة بين كل من الفكرتين وما يحكمهما من نظام قانوني، فهل احتفظت هذه التفرقة بأهميتها في القانون الوضعي إلى الآن، أم أن هناك ما يدل على انحسارها؟)المطلب الثاني(.
المطلب الأول: غياب فائدة التمييز بين الالتزام التضامني والالتزام التضاممي
وجدت فكرة الالتزام التضاممي، في فرنسا، في مجال المسؤولية المدنية، أرضا خصبة خاصة وأنه لا يوجد نص يفرض التضامن عندما يتعدد المسؤولون عن عمل ضار. وسواء تعلق الأمر بالتضامن أو بالتضامم، فكلاهما يمنح الدائن فرصة التعويض عما قد يلحقه من أضرار، وقد شكلت هذه النقطة إحدى مظاهر هذا الانحسار)الفقرة الأولى(، على أنه متى حصل الدائن على حقه في التعويض، فإن المدين يمكنه من حيث المبدإ الرجوع على باقي المدينين المتضامنين كل بحسب نصيبه في الدين، غير أنه بالنسبة للتضامم فالرجوع رهين بكل حالة على حدة. لذلك سنتساءل هل يمكن للمتعاقد من الباطن –مثلا- الذي أدى كامل الدين للمتعاقد الأصلي أن يرجع على المتعاقد المشترك؟ )الفقرة الثانية(.
الفقرة الأولى: تشابه الأساس القانوني للتضامن والتضامم
من الثابت أن التضامن بين المدينين يعتبر من أقوى أنواع الضمانات الشخصية لما يكفله للدائن من ضمان الحصول على حقه، كما أنه يجنبه مخاطر إعسار أحد المدينين وتعدد الإجراءات وكثرة النفقات. أما بالنسبة إلى لتضامم فيعتبر من طبيعة الأشياء ذاتها، ففي مجال المسؤولية المدنية فإنه يقوم على عدم قابلية الضرر للانقسام وكذلك استحالة تجزئة الالتزام بالتعويض بطريقة عادلة بين المسؤولين.
غير أن الفقه) 5)) اتجه إلى اعتبار أن الأساس الذي يقوم عليه الالتزام التضاممي هو إعطاء المضرور أقصى فرصة للتعويض عما أصابه من ضرر. بمعنى أنه يعزز ضمان المضرور -في الواقع- بتأمينه ليس فقط من آثار الحادث الذي وقع له وإنما أيضا ضد مخاطر إعسار أحد المسؤولين عن الحادث. فالأساس القانوني) 5)) للالتزام التضاممي، والذي يكمن في فكرة الضمان، يهدف أساسا إلى ضمان استيفاء الدائن لحقه في حالة تعدد المدينين، وذلك حتى يجنبه تجزئة الإجراءات وتعددها ويؤمنه ضد مخاطر إعسار أحد المدينين، بل إن الالتزام التضاممي يمكن أن يذهب إلى أبعد من ذلك عندما يوجد في حالة ما مدين واحد مسؤول بالرغم من تعدد الأسباب، فالالتزام التضاممي سيحقق للدائن في هذه الحالة الضمان ضد الاستحالة التي يمكن أن يوجد فيها للبحث عن مسؤول آخر.
وهكذا قد وصل التطور بالأساس القانوني للالتزام التضاممي إلى حد جعله يتشابه، إن لم يكن يتطابق، مع الأساس القانوني للالتزام التضامني. ولذلك نعتقد أن التفرقة بين الالتزام التضامني والالتزام التضاممي قد فقدت الكثير من أهميتها في هذا المجال.
الفقرة الثانية: كفالة حق الرجوع بين المدينين في التضامن والتضامم
يحرص أنصار النظرية التقليدية) 5)) على التأكيد بأنه في الالتزام التضاممي تتعدد الالتزامات بتعدد المدينين، وأن كل التزام متميز عن الآخر وإن كانت الأداءات متماثلة أو متشابهة. لكن هذا لم يمنع من أن يذهب بعض الفقهاء إلى القول بأنه في الالتزام التضاممي يكون كل المدينين ملتزمين الأداءات نفسها. وقد رفض أنصار النظرية التقليدية هذا الاتجاه وذلك لأنه يقرب إلى حد بعيد الالتزام التضاممي من الالتزام التضامني.
على أن حدة الاختلاف الكائنة بين كل من نظام التضامن ونظام التضامم ستضمحل بالنسبة لمسألة الرجوع. فعندما يقوم أحد المدينين المتضامنين بالوفاء بكل الدين للدائن فإن هذا الدين ينقضي في مواجهة الجميع. لكن ما الذي يحدث بعد ذلك؟ ما هي العلاقة فيما بين المدينين المتضامنين بعد الوفاء بالدين للدائن من جانب أحد المدينين وبراءة ذمة الآخرين؟ المبدأ أنه ليس هناك رجوع فيما بين المدينين المتضامنين، بمعنى أن المدين الذي وفى بالدين كله ليس له أن يرجع على باقي المدينين بما وفاه. وهذا الحل وإن كان قاسيا إلا أنه يتفق مع نظام التضامن الذي كان يهدف فقط إلى ضمان الدائن. لكن ما يخفف من هذه النتيجة القاسية هو أن المدينين المتضامنين غالبا ما تجمعهم رابطة معينة، شركة، شيوع، وكالة...، ولذلك كان لمن يدفع منهم الدين أن يرجع على الآخرين بالدعوى الناشئة عن هذه المراكز القانونية. وحق الرجوع هذا إما أن يكون بالدعوى الشخصية أو بدعوى الحلول. أما بالنسبة للتضامم فإنه لا توجد مصلحة مشتركة من أي نوع بين المدينين المتضامين، بل غالبا ما يجهلون هذا التضامم، ولذلك فإنه ليس هناك أي رجوع ممكن فيما بينهم. ومع ذلك فإنه للتخفيف من صرامة هذا المبدإ، ذهب الفقيه أولبيان إلى السماح بأن تنتقل إلى المدين المتضامم الذي وفى بكل الدين دعاوى الدائن ضد باقي المدينين المتضامين، بشرط ألا يكون قد ارتكب السرقة))6).
وفي هذا السياق، ذهب القضاء فيما يخص الرجوع بين المدينين المتضامين إلى تقرير دعوى تسمح للمدين الذي يفي بكل الدين أن يرجع على باقي المدينين الملتزمين معه بنصيب كل منهم في الدين. وقد كان القضاء يسمح بالرجوع فيما بين المدينين المتضامين على أساس الحلول القانوني))6) الوارد في نص المادة 1251/ 3 مدني فرنسي))6) والتي تنص على أنه: «إذا كان الموفى ملتزما بالدين مع المدين أو ملزما بوفائه عنه »))6). وفي بعض الأحيان سمح بالرجوع فيما بين المدينين المتضامين على أساس الدعوى الشخصية))6)، ولكن دون أن يذكر النص القانوني المعتمد كأساس لذلك.
إذن فالقاعدة العامة في الالتزام التضامني أن ينقسم الدين على جميع المدينين المتضامنين بحيث يكون لمن وفى منهم الدين للدائن أن يرجع على الآخرين كل بقدر حصته في الدين، وحق الرجوع هذا إما أن يكون بالدعوى الشخصية، أو بدعوى الحلول))6). أما في الالتزام التضاممي فإن الرجوع فيه ليس مبدأ عاما، حيث يتوقف الأمر على طبيعة كل حالة من حالات التضامم على حدة) 6))، وللتخفيف من صرامة هذا المبدإ، فقد سمح بأن تنتقل إلى المدين المتضامم الذي وفى بكل الدين دعاوى الدائن ضد باقي المدينين المتضامين، بشرط ألا يكون قد ارتكب السرقة.
وهكذا، فإن القضاء الفرنسي قد أرسى مبدأ الرجوع في حالات التضامم في نطاق المسؤولية المدنية، بل وقد كان يجعله – إلى عهد قريب- شرطا لوجود التضامم ذاته. وقد أثارت مشكلة الرجوع فيما بين المدينين المتضامين في فرنسا، ومازالت تثير الكثير من المشاكل والصعوبات سواء فيما يتعلق بنطاق هذا الرجوع، أو فيما يتعلق بأساسه))6).
المطلب الثاني: دعوة القضاء إلى إدخال حالات التضامم في نطاق التضامن
لم يعالج التقنين المدني الفرنسي التضامم في أي نص من نصوصه. وفي المقابل عالج التضامن السلبي أو التضامن بين المدينين في نظام قانوني واحد. ولذلك يكون من غير المجدي البحث في هذا التقنين عن أي نص للتضامم، غير أنه بالرجوع إلى أحكام القضاء في الموضوع، نجد أن هناك إشارات مشجعة في صالح الاحتفاظ بالتفرقة التقليدية بين التضامن والتضامم.
ومعلوم أن تضامن المدينين يقوم على وجود مصلحة مشتركة بينهم، حيث ينشأ عن هذه المصلحة آثار ثانوية - إلى جانب آثار أصلية طبعا- وما يترتب عنها من عبء ثقيل على عاتق المدينين المتضامنين. فخطورة هذه الآثار في نطاقها ومداها شكلت العلة في التجاء القضاء الفرنسي إلى فكرة الالتزام التضاممي، حيث إن القضاء أراد، في مواقف مشابهة للتضامن، أن يعطي للدائن الضمان اللازم للحصول على حقه، وذلك حتى يجنبه مخاطر إعسار أحد المدينين، وفي الوقت نفسه لا يثقل كاهل المدينين المتضامين بالعبء الثقيل للآثار الثانوية التي تنشأ عن التضامن. فهل بقي هذا القضاء وفيا لمبدئه القائم على التمييز بين الالتزام التضامني والالتزام التضاممي من حيث الآثار؟)الفقرة الأولى(، لا نعتقد ذلك لأنه في الواقع تكاد تكون هذه التفرقة قد تلاشت حتى بالنسبة لرقابة محكمة النقض على التكييف. والفصل 164 ق.ل.ع صريح في أن التضامن لا يفترض، وبالتالي لا محل للاجتهاد، فلا سبيل لإزالة التعارض الواقع بين فكرتي الالتزام التضاممي والالتزام التضامني إلا عن طريق تعديل الفصل المذكور، وأن يعطي لقاضي الموضوع في إطاره سلطة تقديرية واسعة من أجل إدخال حالات التضامم في نطاق التضامن)الفقرة الثانية(.
الفقرة الأولى: امتداد الآثار الثانوية للتضامن إلى التضامم
يمكن للدائن في كل من الالتزام التضامني والالتزام التضاممي أن يرجع على أي من المدينين ليطالبه بكل الدين ويترتب على الوفاء بالدين من أحد المدينين براءة ذمة الباقين جميعا، إلا أن الالتزام التضاممي يختلف عن الالتزام التضامني في أن تضامن المدينين يستوجب وجود مصلحة مشتركة بينهم، ولذلك ينشأ عن هذه النيابة آثار ثانوية يقررها القانون نفسه أو يقررها القضاء في بعض الأحوال، بينما لا ينتج التضامم أيا من هذه الأثار لعدم وجود المصلحة المشتركة بين المدينين المتضامين، وبالتالي تنعدم النيابة التبادلية بينهم))6).
وليدعم القانون ضمان الدائن ويقويه فقد رتب على وجود المصلحة المشتركة فيما بين المدينين المتضامنين قيام نيابة تبادلية فيما بينهم، بحيث يكون كل مدين ممثلا للآخرين ونائبا عنهم))6)، والنيابة التبادلية وما يترتب عنها من آثار مقررة، في القانون الفرنسي، لمصلحة الدائن))7)، وذلك حتى يسهل عليه اتخاذ الإجراءات في مواجهة المدينين المتضامنين، فأي إجراء يتخذه الدائن في مواجهة أي من المدينين ينتج أثره بالنسبة للآخرين))7).
وفي هذا السياق، من الصعب القول بحق المكري في الرجوع بالتضامن على كل من المكتري الأصلي والمكتري من الباطن للأسباب الآتية: أولا- لأن التضامن لا يفترض، ثانيا- لأن المكري لا يحق له الرجوع على المكتري من الباطن بكل الدين وإنما فقط بما هو ملتزم به تجاه المكتري وقت الإنذار، ثالثا- لكون المكتري من الباطن ليس ممثلا للمكتري الأصلي لانعدام المصلحة المشتركة المبررة للنيابة المتبادلة التي يقوم عليها التضامن بين المدينين))7).
إن استبعاد الآثار الثانوية للتضامن بالنسبة للتضامم، يرجع إلى انتفاء المصلحة المشتركة بين المدينين المتضامين، والتي تبرر النيابة التبادلية فيما ينفع ويضر، وذلك لأنهم غالبا ما يجهلون هذا التضامم. ففي القانون الفرنسي يعتبر مركز المدين المتضامم أفضل بكثير من مركز المدين المتضامن، حيث إن الآثار الثانوية للتضامن تشكل عبئا ثقيلا بالنسبة للمدينين المتضامنين، وذلك يرجع إلى أن الآثار الثانوية مقررة لمصلحة الدائن لتقوي ضمانه وتعززه في مواجهة المدينين المتضامنين. وفي المقابل يعتبر مركز المدين المتضامم في القانون المصري والمغربي أسوأ من مركز المدين المتضامن، ويرجع ذلك إلى أن الآثار الثانوية مقررة لمصلحة المدينين المتضامنين، لا لمصلحة الدائن. ولذلك فالنيابة التبادلية قاصرة على ما ينفع المدينين دون ما يضرهم.
ويمكن التمثيل للآثار الثانوية للتضامن التي تثقل كاهل المدينين المتضامنين وفي المقابل تعزز من ضمان الدائن بأن للدائن استيفاء الدين كله من أي مدين متضامن، فقد نص الفصل 166 ق.ل.ع على أن للدائن الحق في أن يجبر أيا من المدينين المتضامنين على أداء الدين كله أو بعضه لكن لا يحق له أن يستوفيه إلا مرة واحدة، فالدائن يسوغ له أن يختار أي مدين متضامن ويطالبه بالدين جميعه. فليس للمدين إذا طالبه الدائن بالدين أن يقتصر على دفع حصته من الدين. فللدائن رفض هذا الوفاء الجزئي والإصرار على استيفاء الدين بكامله. وهذا يرجع إلى وحدة المحل في الالتزام التضامني))7).
ويبقى للدائن اختيار من يريد من المدينين في ممارسة حق المطالبة بتأدية الدين))7). حتى لو كان مدينا آخر من مدينيه قد منحه رهنا حيازيا أو رهنا رسميا. فعلى الرغم من وجود هذه الضمانات العينية، ليس ما يمنع الدائن من أن يرجع على مدين آخر غير الذي منحه الرهن، إذ قد يجد الدعوى الشخصية التي يوجهها ضد أحد المدينين المتضامنين أكثر يسرا وأقل كلفة من الدعوى العينية التي يرجع بها بمقتضى الرهن))7). كما أنه من ناحية أخرى إذا قام أحد المدينين المتضامنين بعمل ضار، فإن بقية المدينين لا يضارون بهذا العمل))7). ذلك أن النيابة التبادلية القائمة بين المدينين المتضامنين إنما تعتبر قائمة فيما ينفعهم لا فيما يضرهم.
ويترتب على ذلك أن مطالبة الدائن الموجهة إلى أحد المدينين المتضامنين لا تمتد إلى الآخرين ولا تمنع الدائن من أن يوجه إليهم مطالبة مماثلة) 7))، كما أن استئناف أحد المحكوم عليهم خارج الأجل يستفيد من الذي وقع داخل الأجل))7)، وإذا ارتكب أحد المدينين المتضامنين خطأ في تنفيذ التزامه وترتب على هذا الخطإ مسؤوليته قبل الدائن، فباقي المدينين لا يضارون بذلك))7). ويتضح من ذلك أن الآثار الثانوية للتضامن في القانون المغربي مقررة لمصلحة المدينين المتضامنين، لا لمصلحة الدائن، ولذلك فهي قاصرة على ما ينفع المدينين فقط دون ما يضرهم.
وإذا كان ما سبق يهم التضامن، فقد توصلت محكمة النقض الفرنسية إلى تمديد الآثار الثانوية للتضامن إلى التضامم. وفي هذا السياق، فقد قضت أن «نقض الحكم الصادر بالإدانة بالتضامم بناء على طعن مقدم من أحد المدينين المتضامين يفيد كل المدينين المتضامين الآخرين 8(» ))، وقد كانت محكمة النقض تشترط فيما مضى، لكي يمتد أثر النقض إلى المدينين المتضامين الآخرين، أن يكون ذلك بناء على طلب المدين المتدخل) 8)).
الفقرة الثانية: الرقابة القضائية كوسيلة لإزالة التعارض بين التضامن والتضامم
كانت محكمة النقض الفرنسية لا تعير اهتماما كبيرا لمسألة التمييز بين الالتزام التضامني والالتزام التضاممي، فلم تكن تفرق بينهما، ولم تكن تهتم بالرقابة على الأحكام التي قضت بالإدانة بالتضامن بدلا من الإدانة بالتضامم) 8))، غير أنه بعد ذلك استقرت ذات المحكمة على رقابة الأحكام التي تقرر التضامن في حالات لم تكن تتعلق إلا بالالتزام التضاممي) 8))، حيث حدث تغيير تدريجي في مواقفها ليصبح تغيرا كليا. فقد قضت بعدم قبول الطعن القائم على وجه يختلط فيه الواقع بالقانون، والمتعلق بالتضامن الذي تقرر خطأ ولم يعرض إلا لأول مرة أمامها) 8)). وقد قضت كذلك بأن اصطلاح التضامن تغطي كلا من التضامن التام والتضامن الناقص، أو الالتزام التضاممي. فإذا ما انتهى القاضي، عن طريق التفسير، إلى أي منهما فإن حكمه يكون بمنأى عن الطعن، ومن ثم يعتبر الطعن المقدم غير مقبول) 8)). وقد قررت أيضا بأنه إذا انتهى قضاة الاستئناف، في الطلب المقدم إليهم للحكم بالتضامم، إلى مسؤولية المدعى عليهم بالتضامن عن الضرر الواقع نتيجة أخطائهم
المشتركة، فإنهم يقصدون، من استخدامهم الاصطلاح في غير موضعه، الإحالة إلى الالتزام التضاممي الذي يقع على عاتق المسؤولين عن الضرر نفسه) 8)).
وبذلك، لم يعد استعمال اصطلاح التضامن في الحالات التي يجب القضاء فيها بالتضامم موجبا للنقض، حيث إن سياسة محكمة النقض الحالية استقرت على أن هذا مجرد استعمال غير دقيق للمصطلحات من جانب قضاة الموضوع لا يستوجب النقض، وإنما يمكن تصحيحه باستعمال المصطلح الصحيح) 8)). وبذلك يتضح أنه حتى بالنسبة لرقابة محكمة النقض على التكييف، فإن التمييز بين الالتزام التضاممي والالتزام التضامني تكاد تكون قد تلاشت، وانحصر الأمر في مسألة استعمال اصطلاحات يكفى بصددها التصحيح البسيط.
أما بالنسبة إلى اجتهاد محكمة النقض في المغرب، فإن مسألة التمييز بين الالتزام التضامني والالتزام التضاممي تعتبر من مسائل القانون التي يخضع قاضي الموضوع في تقديره لها لرقابة هذه المحكمة التي نقض قرارا صادرا عن محكمة الاستئناف القاضي باعتبار المدعى عليهما )المسؤول عن الضرر وشركة التأمين( مسؤولين بالتضامن في أداء
ما حكم به ) 40000 درهم( لعدم تعليل المحكمة لقرارها ولو بكلمة واحدة فيما يتعلق بهذا التضامن.
ونعتقد أن نقض المجلس الأعلى سابقا ومحكمة النقض حاليا للقرار المطعون فيه كان لعدم إبراز المحكمة للعناصر الكافية التي استخلصت منها وجود التضامن بين المسؤولين مدنيا، على اعتبار أن الأمر يتعلق بمسألة قانون يخضع قاضي الموضوع في تقديرها لرقابة محكمة النقض، كما أن مسألة التمييز بين كل من الالتزام التضامني والالتزام التضاممي يعتبر كذلك من أمور القانون، والمجلس الأعلى حين نقض قرار محكمة الاستئناف لعدم إبرازها العناصر الكافية المسوغة لقضائها، هو نتيجة لكون الحالة موضوع القرار المطعون فيه لا يقوم فيها التضامن، مادام القانون لا ينص عليها ولم تنشأ من اتفاق الأطراف على التضامن بينهم صراحة في مواجهة الضحية. ففي هذه الحالة ينشأ التضامم وليس التضامن بين المدينين، والمجلس الأعلى لم يشأ إثارتها مادام الأطراف لم يثيروها أمام محكمة الموضوع، ثم إن مثل هذا الدفع لا يمكن إثارته لأول مرة أمام المجلس الأعلى.
هذا وتجدر الإشارة في هذا السياق، إلى أن القضاء المغربي خرج من صمته، فكان له موقف صريح من مسألة الالتزام التضاممي، حيث اعتبر أن هناك التزاما تضامميا بين سائق العربة والمرسل باعتباره الضامن للتنفيذ السليم لنقل البضاعة. فكل منهما مسؤول عن كامل الضرر الذي يلحق بالبضاعة، ويبقى للمتعاقد المرسل الحق في الرجوع على سائق العربة، ولكن هذا الرجوع لا يمكن أن يتم لأول مرة أمام محكمة الاستئناف.
لقد حاولنا التساؤل عن إمكانية رجوع أطراف المجموعة العقدية على بعضهم البعض بناء على التضامم، وهل من الممكن في القانون المغربي تقرير المسؤولية التضاممية على غرار القانونين الفرنسي والمصري؟. وقد توصلنا إلى أن نطاق التضامن في القانون المغربي يتسع ليشمل حالات التضامم، وبالرغم من اتساع نطاق التضامن في القانون المدني المغربي إلا أنه إذا وجدت حالات يتعدد فيها المدينون، لأي سبب كان، ويكون كل واحد منهم مسؤولا عن الدين كله قبل الدائن، ودون أن يكون هناك اتفاق أو نص على التضامن، فإنه ينبغي تكييفها على أنها من قبيل التضامن، فهذه الحالات إن كانت تقابل بطبيعة الحال فكرة الالتزام التضاممي إلا أنه ينبغي اعتبارها تشكل تضامنا استنادا إلى النتيجة الحتمية لطبيعة المعاملة الواردة بالفصل 164 ق.ل.ع، على أمل أن تستبدل عبارة المعاملة بعبارة الظروف.
إن إقرار الالتزام التضاممي في القانون المغربي سيؤدي إلى إدخال نوع من الضمان الشخصي أقوى بكثير من التضامن، فتطور هذا الالتزام سيؤدي به إلى الاصطدام المباشر بمبدإ عدم افتراض التضامن. ولذلك حسنا فعل المشرع حين ضمّن الفصل 164 ق.ل.ع عبارة النتيجة الحتمية لطبيعة المعاملة، حتى يتسع الفصل المذكور ليشمل أيضا حالات التضامم، ومن ثم يزيل التعارض الواقع بين التضامم والتضامن، ويتجنب الاصطدام بصريح النص.
ولذلك فالإبقاء على مسألة التمييز بين الالتزام التضامني والالتزام التضاممي سينتج عنه وضع شاذ للغاية، وهو أن يكون المدين المتضامم في مركز أسوأ من مركز المدين المتضامن، وذلك نتيجة لاستبعاد الآثار الثانوية، الناشئة عن النيابة التبادلية في التضامن والمقررة لمصلحة جماعة المدينين فيما ينفعهم لا فيما يضرهم. كما أن النتيجة الحتمية لهذا التمييز في القانون المغربي هو الاصطدام المباشر بمبدإ عدم افتراض التضامن. ولذلك يستحسن تعديل الفصل 164 من ق.ل.ع حتى يتسع ليشمل أيضا حالات التضامم، ومن ثم نزيل التعارض الكائن بينه وبين التضامن، ونتجنب الاصطدام بصريح النص. بحيث تكون الصياغة الجديدة للفصل المذكور كالآتي:
«التضامن لا يفترض، إنما يكون بناء على اتفاق صريح أو نص القانون أو يستخلص من الظروف ». فالتضامم ينشأ من طبيعة الأشياء، ومن تم لا يقع تحت حصر، ولذلك يجب أن نترك المجال مفتوحا لما يجد من حالات، وإذا ما توافرت شروطها أخذت حكم التضامن. وبذلك تصبح التفرقة بين الالتزام التضاممي والالتزام التضامني مجرد تفرقة نظرية محضة تنصب على الاختلاف في النشأة ليس إلا.